محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

230

شرح حكمة الاشراق

ويجب أن يتحقّق هذه النّكتة لتعرف مقاصد صاحب الكتاب ويسهل عليك معرفة كلامه في هذا الباب . والخطأ هيهنا إنّما كان باعتبار أخذهم الجزئىّ - وهو الذّات الشّخصيّة - مكان الكلّىّ ، وهو الماهيّة العقليّة . على أنّ من التّغيّر ما يؤدّى إلى تبدّل الماهيّة . إذ لا مانع عن أن يكون السّلوك الّذى هو بحسب الاشتداد والضّعف يتأدّى إلى واسطة تخالف الطّرفين في الحقيقة ، كالحمرة بين السّواد والبياض . فإنّ الفطرة السّليمة تحكم بأنّها ليست بسواد ضعيف ولا بياض كذلك ، بل لكلّ منهما بحسب الشّدّة والضّعف مراتب منحصرة من أوّل الشّروع فيه وآخره . وإذا خرج عنها خرج عن السّواد والبياض الشّديد والضّعيف ، ووقع في نوع آخر ، كالحمرة . وتقدير الكلام : « أنّ الماهيّة العقليّة إنّما تعمّ ذوات أشخاصها التّامّة والنّاقصة لو لم تتبدّل ماهيّة الأشخاص بالسّلوك المذكور . أمّا إذا تبدّلت ، بناء على أنّ من التّغيّر ما يؤدّى إلى تبدّل الماهيّة ، فلا تعمّها ، كما لا يعمّ البياض والسّواد الحمرة والصّفرة وغيرهما من المتوسّطات بينهما . » واعلم : أنّه قد جرت عادة الحكماء ، عند ذكر « المقولات » ، أن يذكروا ما لا يقبل منها الشّدّة والضّعف . وهو في المشهور : الجوهر ، والكم ، وبعض الكيف ، وهو المختصّ بالكميّات ، كالاستقامة والاستدارة ؛ وما يقبل ، وهو الباقي . وعند صاحب الكتاب : أنّ جميع المقولات قابلة لهما ، وأنّ ما بيّنوا به ، [ من ] عدم قبول المذكورات لهما ، من التّحكّمات الإراديّة والاصطلاحات العرفية . وإليه الإشارة بقوله : وكلام المشّائين في الأشدّ والأضعف مبنىّ على التّحكّم ، فإنّ عندهم لا يكون حيوان أشدّ حيوانيّة من غيره . إمّا لأنّ العرف لا يطلق الأشدّ على الجواهر . وليس بشئ ، لأنّ الحقائق لا تبتنى على الإطلاقات العرفيّة . وهو مغالطة لفظيّة ، فإنّهم لمّا وجدوا أنّه لا يجوز أن يقال ، مثلا : « خطّ كذا أشدّ خطيّة من خطّ كذا من حيث اللّغة » ، حكموا بعدم قبول الخطّ للشدّة من حيث المعنى الّذى هو تماميّة الذّات ، تعويلا منهم على أنّ هذا اللّفظ لا يطلق عرفا ، فلا يكون معناه حاصلا في نفس الأمر .